الطبراني
71
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وكيف حقيقة البصر ، فأعلم اللّه تعالى أنّ خلقا من خلقه لا يدرك كنهه ولا يحيطون بعلمه ؛ فكيف يحيطون باللّه ؟ ! فمن حمل الآية على هذا التأويل ؛ لم يكن فيه ما ينفي الرؤية في الآخرة ؛ لأن معنى الرؤية غير معنى الإحاطة بحقيقة الشيء . وقال بعض المفسّرين : ( إنّ الإدراك إذا قرن بالبصر ؛ كان المراد منه الرّؤية ، فإنّه يقال : أدركت ببصري ؛ ورأيت ببصري ، بمعنى واحد ، كما يقال : أدركت بأدنى ؛ وسمعت بأدنى ، بمعنى واحد ) « 1 » . قالوا : وأصل الإدراك : اللّحوق ؛ نحو قولك : أدركت زمان فلان ؛ وأدرك فلان أبا حنيفة ؛ وأدرك الزرع والثمرة ؛ وأدرك الغلام إذا لحق حال الرّجال . وإدراك البصر الشيء ولحوقه به برؤيته إيّاه ، إلا أنه لا يمتنع أن تكون هذه الآية عامّة من جهة اللفظ والمراد منها الخصوص توفيقا بين هذه الآية وبين قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 2 » . قوله تعالى : وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) ؛ أي اللّطيف بعباده في التّدبير ، الخبير بمصالحهم . قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ؛ أي جاء كم القرآن الذي فيه البيان . والبصائر : جمع البصيرة ؛ وهي الحجّة البيّنة ، فمن أبصر فلنفسه نفعه ، وَمَنْ عَمِيَ ؛ عن الحقّ والقرآن ؛ فَعَلَيْها ؛ فعلى نفسه ضرر ذلك ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) ؛ أي برقيب أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها ، فإنّ اللّه يجازيكم على أعمالكم . وقيل : معناه : لست عليكم بحفيظ فأحول بينكم وبين إضراركم بأنفسكم ، وإنّما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربكم وهو الحفيظ عليكم ، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ؛ أي مثل ما صرّفنا الآيات وبيّناها فيما تلي عليك ؛ نصرّف الآيات ونبيّنها في المستقبل لئلّا يقولوا :
--> ( 1 ) نقله الطبري في جامع البيان : تفسير الآية : مج 5 ج 7 ص 393 و 394 . ( 2 ) القيامة / 22 - 23 .